صديق الحسيني القنوجي البخاري

8

فتح البيان في مقاصد القرآن

تكونوا بالغيه بشيء من الأشياء إلا بشق الأنفس ، قال ابن عباس : لو تكلفتموه لم تطيقوه إلا بجهد شديد إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ حيث رحمكم بخلق هذه الحوامل وتيسير هذه المصالح . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 8 إلى 11 ] وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وَزِينَةً وَيَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ ( 8 ) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْها جائِرٌ وَلَوْ شاءَ لَهَداكُمْ أَجْمَعِينَ ( 9 ) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكُمْ مِنْهُ شَرابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ ( 10 ) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ( 11 ) وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ أي وخلق لكم هذه الثلاثة الأصناف ، وسميت الخيل خيلا لاختيالها في مشيها وواحد الخيل خائل كضائن واحد الضأن ، وقيل اسم جنس لا واحد له من لفظه بل من معناه وهو الفرس ، والبغال جمع بغل وهو المتولد من الخيل والحمير جمع حمار . ثم علّل سبحانه خلق هذه الأنواع الثلاثة بقوله : لِتَرْكَبُوها وهذه العلّة هي باعتبار معظم منافعها لأن الانتفاع بها في غير الركوب معلوم كالتحميل عليها وَزِينَةً عطف على محل لتركبوها لأنها في محل نصب على أنه علة لخلقها ، ولم يقل لتتزينوا بها حتى يطابق لتركبوها ، لأن الركوب فعل المخاطبين والزينة فعل الزائن وهو الخالق . والتحقيق فيه أن الركوب هو المعتبر في المقصود بخلاف الزينة فإنه لا يلتفت إليه أهل الهمم العالية لأنه يورث العجب ، فكأنه سبحانه قال خلقتها لتركبوها فتدفعوا بواسطتها عن أنفسكم ضرر الإعياء والمشقة ، وأما التزين بها فهو حاصل في نفس الأمر ولكنه غير مقصود بالذات . وقد استدل بهذه الآية القائلون بتحريم لحوم الخيل قائلين بأن التعليل بالركوب يدل على أنها مخلوقة لهذه المصلحة دون غيرها ، قالوا ويؤيد ذلك إفراد هذه الأنواع الثلاثة بالذكر وإخراجها عن الأنعام ، فيفيد ذلك اتحاد حكمها في تحريم الأكل ، قالوا ولو كان أكل الخيل جائزا لكان ذكره والامتنان به أولى من ذكر الركوب لأنه أعظم فائدة منه . وقد ذهب إلى هذا مالك وأبو حنيفة وأصحابهما والأوزاعي ومجاهد وأبو عبيد وغيرهم ، وذهب الجمهور من الفقهاء والمحدثين وغيرهم إلى حل لحوم الخيل ، وهو قول الحسن وشريح وعطاء وسعيد بن جبير ، وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ، ولا حجة لأهل القول الأول في التعليل بقوله لتركبوها ، لأن ذكر ما هو الأغلب من منافعها لا ينافي غيره ، ولا نسلم أن الأكل أكثر فائدة من الركوب حتى يذكر ويكون ذكره أقدم من ذكر الركوب .